تسجيل الدخول

 البناء القديم «لا يطيح»

​​​

محمد سالم الغامدي ومفرح الغامدي عملا وتفاعلا مع «لا يطيح» من خلال تدريب أبنائهما على البناء القديم، وأهمية الحفاظ على المباني التراثية ومكنوناتها الأثرية، وذلك من خلال المشاركة في إعادة البناء والإعمار، واستطاع استجابة لنداء الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، الذي سبق لبرنامج «لا يطيح» تمكين أبنائه من عملية المحافظة على المباني التراثية، وإعادة تأهيلها واستثمارها اقتصاديًا، وثقافيًا، وسياحيًا.

 

محمد الغامدي منذ الصغر يجيد عملية بناء البيوت، خصوصًا المبنية من الأحجار، فكان ممن قاموا بنقل الأحجار من مكان إلى مكان آخر، تشهد على ذلك فنون العمارة القديمة التي لا تزال تقف شامخة إلى اليوم في منطقة الباحة، حيث الحصون والقرى الحجرية القديمة، التي أظهرت صمودها كشاهد على الفن المعماري بالمنطقة، والحس الهندسي الذي يتمتع به الجيل القديم من أهالي الباحة ممّن علّمتهم الفطرة تلك المهنة العريقة.

 

يقول الغامدي: «اليوم حلت العمارة الحديثة من الحديد والخرسانة مكان العمارة القديمة التي تعتمد على الحجارة والطين والخشب، وقليل من الحديد الذي يستخدم في النوافذ والأبواب، إضافة إلى أنها تتطلب موهبة ومهارة عالية جدًّا، وقبل ذلك جهدًا كبيرًا. حيث تواجه صعوبة تقطيع الحجارة التي تعد المادة الأساسية لها في ظل ندرة اليد العاملة الخبيرة.

 

مراحل البناء

 

يمر البناء القديم بعدة مراحل حيث يتم بداية عمل أساس البيت، وذلك بحفر «ربض» في الأرض بعمق متر إلى متر ونصف وعرض متر واحد تقريبًا, ومن ثم يتم ردمه بالحجارة التي تم تفتيتها سابقًا حتى تتساوى مع سطح الأرض لتشكل قاعدة قوية للبناء الذي يبدأ بشكل منتظم. يتم وضع الأحجار بعضها فوق بعض دون استعمال مادة إنشائية تربط ما بينها ما عدا الحجارة الصغيرة والطين اللزج والتراب، وعند الوصول للأبواب والنوافذ يتم وضع «الجباهة» وهي صخرة كبيرة توضع فوق الأبواب والنوافذ ويتم بعدها إكمال المبنى. في المرحلة الثانية للبيت يتم وضع «الزفر» التي تمثل الأعمدة الداخلية للمنزل، وهي تؤخذ من أشجار العرعر الضخمة. يتم تقطيعها على شكل أعمدة ثم توضع عليها «الفلكة» وهي قطعة خشبية مقوسة تثبّت عليها، وبعد رفعها بفرش قاعدةٍ لها من الحجارة الصلبة يتم وضع «الجوز» وهو يمتد من الجدار الخارجي للمنزل إلى «الزافر» في الداخل. وتأتي بعد ذلك مرحلة تسقيف المنزل، حيث يتم وضع أخشاب أشجار العرعر وهو ما يعرف بـ«البطن» لتغطي السقف كاملاً، ثم يتم جمع كمية من نبات العرفج ونبات «المض» المعروف بالجريد ويتم خلطها بالماء والتراب وهو ما يعرف بطينة البيت «صبة السقف». يتم وضعها على سقف المنزل دون أن يترك أي فراغ فيه.

 

غياب المهنة

 

عن غياب مهنة البناء بالطين يقول مفرح الغامدي إن الأسباب كثيرة جدًّا وفي مقدمتها أن المباني قديمًا كان لها شكل واحد تقريبًا، وإن اختلفت في بعض التفاصيل البسيطة. وتستغرق كذلك وقتًا طويلاً جدًّا حيث تتطلب دقة وحرصًا في البناء، إضافة إلى أن الشباب لم يدركوا بعد، أو بمعنى أصح لم تصل بهم الحاجة إلى العمل في هذا الفن المعماري، وبالتالي لم يقفوا على مدى مهارة أجدادهم وحسن استخدامهم للمواد الطبيعية والتكيف مع بيئاتهم الصعبة، حيث انحصر استخدام الحجارة في تجميل المنازل من قبل العمالة الوافدة.

 

تذكير بالقديم

 

يشير محمد سالم الغامدي إلى أنه قام بتعليم أبنائه طريقة البناء والمساعدة على ذلك، في أوقات الإجازات، لأنه فن وحرفة لا يجب أن نتركها تنقرض، كما أذكرهم بالأوقات الصعبة التي مرت برغم ما فيها من مواقف لا تنسى، حيث كنا نذهب إلى القرى المجاورة، ونقضي عند مُلاك تلك المباني شهرين أو أكثر وهي مدة البناء. والمالك يقوم بتأمين السكن، وتوفير الوجبات الغذائية. وعند نهاية تشييد المباني يقوم بتقديم الكسوة وهي عبارة عن ثوب وشماغ، مضيفًا أنه بدأ يمارس مهنة البناء وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، وأول أجر حصل عليه هو ريال إلا ربعًا لليوم الواحد ثم تطور بعد ذلك حتى وصل من 100 ريال إلى 150 ريالاً.

 

استخدام الأدوات

 

عن الأدوات التي يستخدمها في البناء يقول: أدوات بسيطة وهي الفأس والمطرقة والعتلة والخيشة. وتستخدم تلك الأدوات في تحريك الحجارة وتكسيرها وحملها، حيث نقوم ببناء المدماك، وهو الجدار الذي يتراوح عرضه ما بين 1 إلى 1٫5 متر لكي يعطي متانة وقاعدة تحمل عالية بعد أن يرتفع الجدار، ثم يردم من الداخل لكي تكون الأرض مستوية وتمكن الجدار ليرتفع ويكتمل البناء وتأسيسه. ومن ثم يقوم الأبناء بتسوية الجدار وسد الفراغات. وبما أن المباني في الباحة كانت قديمًا تتكون من أربعة أدوار إلا أن في الوقت الحاضر من الصعب عمل ذلك، حيث يحتاج إلى إمكانيات أكبر في عملية نقل الصخور والأحجار ونعلو بالصوت «لا طلعنا على المدماك من عاد يجي بالحصى».

 

 

إحياء الحرفة

 

يكمل الغامدي حديثه لـ«ترحال» وهو يقوم بالبناء وتناول الأحجار من أبنائه: «إن عملية البناء اندثرت منذ 20 عامًا، وذلك لتوجه الناس للبناء الحديث، لكن ما زال هناك أشخاص متمسكين بهذه المهنة، وإعادة الناس لتراثهم بإعادة الحرفة، كما أن الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني أحيت هذه الحرفة مع وجود برنامج «لا يطيح»، حيث سيكون هناك الطلب على عملية البناء التراثي وعودة الناس إليه، أن تكون هنالك فائدة كبيرة مادية ودخل ممتاز في هذا المجال. حيث أثمر في إعادتها وتعريف الناس بها مجددًا عبر المعارض والمهرجانات حتى أصبح لدى الناس وعي بهذه الحرفة». ومن الملاحظ اتجاه عدد من أهالي المنطقة في السنوات الأخيرة إلى تزيين منازلهم واستراحاتهم بالأحجار المنحوتة والأشجار والنقوش وغيرها من الفنون المعمارية المواكبة للذوق الفني القديم المرتبط بحضارة المنطقة وتاريخها.


برنامج «لا يطيح»


أطلقت الهيئة العامة للسياحة والتراث برنامج «لا يطيح» الذي يهدف إلى إشراك المجتمعات المحلية للمحافظة على المباني التراثية، ويمثل سجلاً تاريخيًّا حيًّا يجسد تاريخ المملكة العربية السعودية ووحدتها، ويعمل على حفظ المواقع التراثية وإعادة بنائها بالشكل الذي يجسد حياة الأشخاص الذين عاشوا فيها.